يعقوب الكشكري
9
كناش في الطب
الرطوبات الغريبة التي تلاقيه وتماسّه فتفسده وتعفنه مثل الغرق بالماء الكثير الذي يقف فيه فيفسده ويعفنه ؛ وكذلك يجري الأمر في الشعر فإنه يعرض له الفساد : إما لقلّة الرطوبات التي عنها يتولد الشعر ؛ لأن الشعر : مادته وتكونه من البخارات . فإذا فنيت الرطوبة وجفت البشرة خف الشعر وحدث عن ذلك الصلع ، كما يحدث ببعض المشايخ . وإما إن كثرت الرطوبات وتفسد وتتعفن فتفسد الشعر وتعفّنه فيتساقط ويتقرّع ، فيعرض من ذلك داء الثعلب وداء الحية . فأما داء الثعلب من الأمراض التي تخص الرأس فيتقرع الشعر ، وربما تعدى فتقرع أيضا شعر اللحية والأجفان والحواجب وساير البدن حتى يصير الجلد أملس براقا بضا « 1 » مثل بريق وبضيض وملاسة الماء الصافي ، ولا يبقى فيه شعرة بتة ولا يبين فيه موضع المسام لملاسته وبريقه وتساقط الشعر منه ؛ وهذا الداء يحدث كثيرا بالثعالب على الدوم ، فتتساقط شعورها . ولذلك سمي داء الثعلب « 2 » ؛ وتولده عن رطوبة ردية متعفنة مفسدة للشعر . ربما خالط هذه الرطوبة الردية مرة سوداء أو صفراء فيعلم ذلك من لون جلد الرأس الذي قد تساقط عنه الشعر ، وذلك أنّا قد نرى جلد الرأس في قوم عرضت لهم شديد البياض والبريق والملاسة ؛ ونراها في قوم آخرين مايلة إلى الصفرة ، وفي قوم آخرين إلى السواد فينبغي أن يستفرغ أولا البدن كله بدواء مركب مسهّل البلغم والمرار الأسود والأصفر من حيث تقايس من لون الأغلب على الجلد الذي ترى الشعر قد انحلق وانقرع الموضع . فإن وجدته أشدّ بياضا ، فاعطف إلى استفراغ الخلط البلغمي بمثل الأيارج « 3 » المتخذ بشحم الحنظل وحب الصبر ، أو حب الأيارج المتخذ بشحم الحنظل فإن تطاولت به الأيام وتمكن من جلدة الرأس وانبسط فاستفرغه بالأيارج لوغاذيا « 4 » بعد أن يستفرغ بالقيء . فإن وجدته مايلا إلى السواد فاستفرغه بالأيارج المتخذ بشحم الحنظل وزد معه ما يستفرغ الخلط السوداوي مثل الخربق « 5 » الأسود والافثيمون « 6 » . . . . . .
--> ( 1 ) بالأصل : براق بض . البض : يريد رقة لونه وصفاءه . ورجل بض : ناصع البياض في سمن . ( 2 ) وقيل لأن الثعلب يفسد الزرع بتمرغه فيه كما يفسد هذا الداء الشعر الذي هو زرع البدن . على كل حال فإن كلا الداءين من الأمراض الظاهرة الداخلة تحت مقولة الزينة وصورتهما نقصان الشعر أو ذهابه وغايتهما إفساد منابته . ( 3 ) أيارج كلمة يونانية معناها المسهل ، وهو عندهم الدواء الإلهي لأن غوصه في العروق ، وتنقية الخلط إخراجه على الوجه الحكمي حكمة إلهية أودعها المبدع الفرد في أفراده وألهمهم تركيبها . ومن شرائط تركيب الأيارج : لا تمسه النار ، وقوته تبقى إلى سنتين ولا تتجاوز شربته أربعة مثاقيل ولا يستعمل قبل نصف سنة . ( 4 ) لوغاذيا الحكيم من تلامذة أسقيلوس ، وهو من تراكيبه . أنظر خواصه وصنعته في تذكرة داود الأنطاكي 1 / 59 . ( 5 ) الخربق الأسود : اسمه العلمي يوناني . وهو عشبة طبية وهو Ellebou noir والخربق الأسود مسهل مائي شديد الوقع ، مدرّ للطمث ومقوّ للقلب . بزوره تقتل الدجاج . ( 6 ) الأفثيمون : هو كشوت السعتر .